الفصل الأول – الاتصال عند الساعة 2:17 ليلًا
عندما رن هاتفي في الساعة 2:17 بعد منتصف الليل، عرفت فورًا أن هناك شيئًا خطيرًا قد حدث.
لم يكن أحد يتصل بي في هذا الوقت.
وبالتأكيد لم تكن أمي تفعل ذلك.
كنت مستلقية في الظلام داخل غرفة نومي الصغيرة، بينما كان المطر يضرب النافذة. كانت ابنتي إيما، ذات السنوات السبع، نائمة بهدوء بجانبي ولا تعرف شيئًا عما يحدث.
أمسكت الهاتف ونظرت إلى الشاشة.
أمي.
أجبت.
«أمي؟»
ساد الصمت في الطرف الآخر للحظات.
ثم سمعت صوتها.
«لينا… يجب أن تأتي فورًا.»
«ماذا حدث؟»
لم تجب.
«أمي، أرجوك. ماذا حدث؟»
بدأ صوتها يرتجف.
«والدك… لقد انهار.»
جلست فورًا على السرير.
«هل هو في المستشفى؟»
«نعم.»
«ماذا يقول الأطباء؟»
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم قالت شيئًا لم أنسه حتى اليوم.
«لقد سأل عنك.»
بدأت أرتدي معطفي بينما كنت لا أزال على الهاتف.
«سآتي.»
«لينا…»
«نعم؟»
«تعالي وحدك.»
توقفت.
«لماذا؟»
تنفست أمي بعمق.
«لأن أخاك يجب ألا يعرف أنني اتصلت بك.»
في تلك اللحظة أدركت أن الأمر لا يتعلق بوالدي فقط.
كان هناك شيء تخفيه عائلتي عني منذ سنوات.
الفصل الثاني – العائلة التي نسيتني
اسمي لينا بيرغر.
كنت في الرابعة والثلاثين من عمري، ومنذ ما يقارب اثني عشر عامًا لم تكن علاقتي بعائلتي سوى مجرد ذكرى مؤلمة.
كانت أمي تخبر الجميع بأنني غادرت المنزل بإرادتي بعد خلاف مع والدي.
لكن ذلك كان كذبًا.
أنا لم أغادر بإرادتي.
لقد طردني والدي.
كان عمري آنذاك اثنين وعشرين عامًا.
كان والدي، فريدريش بيرغر، رجل أعمال معروفًا. كان يمتلك شركة ناجحة في مجال البناء، وعدة شقق، ومنزلًا كبيرًا في أطراف المدينة.
أما أخي الأصغر دانيال فكان المفضل لديه.
كان دانيال يستطيع فعل أي شيء تقريبًا دون أن يعاقبه أحد.
إذا حصل على درجات سيئة، كانت المدرسة هي المخطئة.
إذا خسر المال، كان شخص آخر قد خدعه.
إذا أنهى علاقة عاطفية، كانت المرأة «غير مناسبة له».
أما أنا، فكان مطلوبًا مني دائمًا أن أكون مثالية.
كنت أعمل إلى جانب دراستي، وأعتني بجدتي، وأساعد والدي في الشركة.
لكن في أحد الأيام اكتشفت شيئًا لم يكن من المفترض أن أكتشفه أبدًا.
كان الأمر متعلقًا بالمال.
الكثير من المال.
اكتشفت تحويلات مالية من حسابات الشركة إلى حساب باسم دانيال.
سألت والدي عنها.
فغضب بشدة.
«هل تتهمين أخاك؟»
قلت: «أنا لا أتهم أحدًا. أنا فقط أسأل لماذا—»
صرخ:
«أنت ناكرة للجميل!»
كانت تلك آخر كلمات قالها لي في تلك الليلة.
في صباح اليوم التالي كانت أغراضي ملقاة أمام باب المنزل.
قال والدي إن عليّ ألا أعود أبدًا.
كانت أمي تقف خلفه.
كانت تبكي.
لكنها لم تقل شيئًا.
رحلت.
وعلى مدى اثني عشر عامًا كنت أسأل نفسي لماذا لم تدافع أمي عني.
والآن، في الساعة 2:17 بعد منتصف الليل، كنت على وشك معرفة الإجابة.
الفصل الثالث – المستشفى
عندما وصلت إلى المستشفى، كانت أمي تنتظرني في الممر.
بدت أكبر سنًا مما كانت عليه قبل بضعة أشهر فقط.
كان وجهها شاحبًا.
سألتها: «كيف حاله؟»
قالت: «يقول الأطباء إنه قد يتجاوز هذه الليلة.»
قلت: «ولماذا اتصلت بي حقًا؟»
نظرت إلى باب غرفة والدي.
«لديه شيء لك.»
«ماذا؟»
«كان يريد أن يعطيك إياه بنفسه.»
قبل أن أتمكن من الرد، فُتح الباب.
خرج طبيب.
«السيدة بيرغر؟»
أومأت.
قال: «والدك استعاد وعيه. لكنه لن يستطيع البقاء مستيقظًا طويلًا.»
دخلت.
كان والدي مستلقيًا على السرير.
لأول مرة منذ اثني عشر عامًا رأيته عن قرب.
الرجل الذي كنت أخشاه عندما كنت طفلة بدا فجأة صغيرًا وضعيفًا.
كانت يداه ترتجفان.
نظر إلي.
«لينا.»
وقفت عند نهاية السرير.
«لقد جئت.»
ابتلع بصعوبة.
«أعرف أنه ليس لدي الحق في أن أطلب منك شيئًا.»
قلت: «إذًا لا تطلب مني شيئًا.»
أغمض عينيه.
«كنتِ محقة في ذلك الوقت.»
توقفت أنفاسي للحظة.
«في ماذا؟»
قال: «بخصوص المال.»
لم أقل شيئًا.
«دانيال أخذ المال من الشركة.»
كنت أعرف ذلك.
لكن ما لم أكن أعرفه هو ما حدث بعد ذلك.
مد والدي يده تحت الوسادة وأخرج ظرفًا صغيرًا.
«خُذيه.»
فتحته.
كان بداخله جهاز USB قديم.
ورسالة.
وكان مكتوبًا على الرسالة:
«إلى لينا. إذا لم أعد موجودًا.»
نظرت إلى والدي.
«ماذا يوجد عليه؟»
امتلأت عيناه بالدموع.
«الحقيقة.»
الفصل الرابع – السر الموجود على جهاز USB
في صباح اليوم التالي كنت جالسة في مطبخي.
كانت إيما تلعب في غرفة المعيشة.
وصلت جهاز USB بجهاز الكمبيوتر.
لم يكن هناك سوى مجلد واحد.
كان اسم المجلد:
«لينا – 2014»
فتحته.
وجدت داخله كشوفات حسابات ورسائل إلكترونية وعقودًا وعدة تسجيلات صوتية.
فتحت التسجيل الأول.
سمعت صوت والدي.
قال: «إذا سمعت لينا هذا التسجيل يومًا، فيجب أن تعرف أنني لم أطردها من حياتي بسبب المال.»
حبست أنفاسي.
ثم سمعت صوت أمي.
«فريدريش، يجب أن نخبرها.»
أجاب: «لا.»
قالت: «لها الحق في معرفة الحقيقة.»
قال: «إذا عرفت لينا، فسوف يخسر دانيال كل شيء.»
قالت: «لكنها ستعتقد أننا خذلناها.»
أجاب: «ربما يكون ذلك أفضل من أن تتعرض للخطر.»
أوقفت التسجيل.
كان رأسي يدور.
أي خطر؟
لماذا يمكن أن أكون في خطر؟
فتحت الملف التالي.
كان التسجيل هذه المرة قصيرًا.
سمعت صوت والدي وهو يتحدث مع رجل لا أعرفه.
قال والدي: «يجب أن تتوقفوا عن ملاحقة ابنتي.»
أجاب الرجل: «إذًا اجعلها تتوقف عن التحقيق.»
قال والدي: «ليس لها علاقة بهذا الأمر.»
أجاب الرجل: «الآن أصبحت لها علاقة.»
واصلت الاستماع.
قال الرجل: «إذا ذهبت إلى الشرطة، فلن تخسر شركتك فقط. ستواجه عائلتك كلها مشاكل.»
ثم انتهى التسجيل.
أسندت ظهري إلى الكرسي.
طوال اثني عشر عامًا كنت أعتقد أن عائلتي تخلت عني ببساطة.
لكن ربما طردوني من المنزل لحمايتي.
وربما كنت قد فهمت القصة كلها بشكل خاطئ.
الفصل الخامس – دانيال يعود
في فترة ما بعد الظهر رن جرس الباب.
فتحت.
كان دانيال واقفًا أمامي.
أخي.
كان أكبر من الصورة التي بقيت في ذاكرتي منذ اثني عشر عامًا.
كان يرتدي معطفًا باهظ الثمن وساعة ربما كانت قيمتها أكبر من قيمة سيارتي.
قال: «يجب أن نتحدث.»
قلت: «لماذا؟»
قال: «بسبب والدنا.»
«ماذا حدث له؟»
«لقد أعطاك أشياء لم يكن من المفترض أن يعطيك إياها.»
نظرت إليه.
«ماذا تقصد؟»
نظر خلفي.
«هل الطفلة هنا؟»
وقفت أمام الباب.
«ماذا تريد؟»
قال: «جهاز USB.»
لم أجب.
تغير وجهه.
«لينا، أعطيني إياه.»
قلت: «لماذا؟»
قال: «لأنك لا تفهمين ما الذي نتعامل معه.»
قلت: «إذًا اشرح لي.»
صمت.
قلت: «أنت أخذت المال من الشركة.»
أصبح نظره قاسيًا.
قال: «هذا حدث منذ زمن طويل.»
قلت: «إذًا فعلتها.»
قال: «أنت لا تعرفين ما الذي حدث في ذلك الوقت.»
قلت: «إذًا أخبرني.»
اقترب دانيال خطوة.
«أعطيني الجهاز.»
قلت: «لا.»
ابتسم فجأة.
«في النهاية ستفهمين لماذا طردك أبي في ذلك الوقت.»
ثم استدار وغادر.
أغلقت الباب.
كانت يداي ترتجفان.
ولأول مرة شعرت بالخوف على ابنتي.
الفصل السادس – الرسالة
في تلك الليلة فتحت رسالة والدي.
«ابنتي العزيزة لينا،
إذا كنت تقرئين هذه الرسالة، فمن المحتمل أنني لم أعد أملك القوة لأشرح لك كل شيء بنفسي.
قبل اثني عشر عامًا اعتقدتِ أنني طردتك من حياتي لأنني كنت أحب دانيال أكثر منك.
الحقيقة أسوأ وفي الوقت نفسه مختلفة.
كنتِ الوحيدة التي رأت ما كان يحدث بالفعل.
كان دانيال غارقًا في الديون. أخذ المال من الشركة. لكنه لم يكن وحده.
كانت هناك جهات أخرى متورطة في الأمر.
عندما بدأتِ في طرح الأسئلة، لاحظوا وجودك.
تلقيت تهديدات.
قالوا لي إن شيئًا سيحدث لك إذا واصلتِ التحقيق.
كان يجب أن أذهب إلى الشرطة.
لكنني كنت جبانًا.
اعتقدت أنني إذا طردتك من المنزل، فسوف يعتقدون أنك لم تعودي مرتبطة بنا.
اعتقدت أنني بهذه الطريقة سأحميك.
لكنني بدلًا من ذلك سرقت منك اثني عشر عامًا من حياتك.
هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه.
دانيال لم يسرق كل المال.
شخص آخر استخدمه.
وهذا الشخص أقرب إليك مما تتخيلين.
لا تثقي بأحد لمجرد أنه من العائلة.
لكن لا تنسي أيضًا: ليس كل من جرحك كان يريد إيذاءك.
والدك، فريدريش.»
وضعت الرسالة على الطاولة.
«شخص أقرب إلي مما أتخيل.»
فكرت في أمي.
وفكرت في دانيال.
ثم فكرت في الشخص الذي لم أشك فيه أبدًا.
عمي توماس.
الفصل السابع – الرجل الذي كان خلف كل شيء
كان توماس بيرغر شقيق والدي.
كان في السابق شريكًا في شركة البناء.
بعد مغادرتي للمنزل ترك الشركة.
على الأقل هذا ما كان معروفًا رسميًا.
بحثت عن اسمه في المستندات.
وفجأة اكتشفت شيئًا.
عدة تحويلات مالية لم تكن قد ذهبت إلى دانيال.
كانت قد ذهبت إلى شركة اسمها Berger Consulting GmbH.
وكان مدير الشركة هو توماس بيرغر.
اتصلت بأمي.
قلت: «أمي، لماذا لم تخبريني أن توماس متورط في الأمر؟»
ساد الصمت طويلًا.
ثم قالت:
«لأننا اعتقدنا أنه كان يساعدنا.»
قلت: «ماذا يعني ذلك؟»
قالت: «كان والدك يعتقد في البداية أن توماس سيساعده في إخراج دانيال من ديونه.»
«وماذا حدث بعد ذلك؟»
قالت: «اكتشفنا أن توماس نفسه كان يأخذ المال من الشركة.»
أغمضت عيني.
قلت: «أين هو الآن؟»
همست أمي:
«إنه يعمل مع دانيال مرة أخرى.»
وقفت.
«ماذا؟»
قالت: «لينا، أرجوك استمعي إلي.»
قلت: «لا يا أمي. الآن أنتِ استمعي إلي.»
أمسكت جهاز USB.
قلت: «سأذهب إلى الشرطة.»
قالت: «لا يمكنك فعل ذلك.»
سألتها: «لماذا؟»
قالت: «لأن دانيال ليس أخطر مشكلة.»
«إذًا من؟»
بدأت أمي تبكي.
«توماس.»
الفصل الثامن – الحقيقة تظهر
في صباح اليوم التالي ذهبت بكل المستندات إلى محامٍ.
كان اسمه مارتن كيلر.
استمع إلى قصتي دون أن يقاطعني ولو مرة واحدة.
بعد أن فحص الملفات قال:
«السيدة بيرغر، هذه المستندات مهمة جدًا.»
سألته: «هل يمكن أن يتعرض والدي للملاحقة القانونية؟»
قال: «والدك ربما يكون ضحية في هذه القضية.»
«وماذا عن أخي؟»
«هذا ما يجب أن يحدده المحققون.»
«وتوماس؟»
نظر إلي بجدية.
«إذا كانت التسجيلات حقيقية وتم تأكيد التحويلات المالية، فقد تكون القضية أكبر بكثير مما تتخيلين.»
وافقت على تسليم المستندات إلى السلطات.
لكن قبل أن يحدث أي شيء، وصلتني رسالة.
«يجب أن تتوقفي.»
لم يكن هناك رقم.
فقط هذه الكلمات الثلاث.
أريتها للمحامي.
قال: «الآن سنذهب مباشرة إلى الشرطة.»
تركت إيما عند صديقة لي.
ثم ذهبت إلى مركز الشرطة.
رويت كل شيء.
وقدمت جهاز USB.
بدأ المحققون فورًا في حفظ البيانات وفحصها.
وفي مساء اليوم نفسه اتصلت بي أمي.
قالت: «لينا، يجب أن تأتي إلى المستشفى فورًا.»
سألت: «لماذا؟»
قالت: «والدك يريد رؤيتك.»
ذهبت.
كان والدي أضعف من اليوم السابق.
نظر إلي.
قال: «لقد فعلتِها.»
قلت: «نعم.»
«ذهبتِ إلى الشرطة.»
«نعم.»
ابتسم ابتسامة ضعيفة.
«أخيرًا.»
جلست بجانبه.
قلت: «لماذا صمت كل هذه السنوات؟»
نظر من النافذة.
قال: «لأنني كنت خائفًا.»
«من توماس؟»
أومأ.
قلت: «ومني؟»
«لا.»
«إذًا لماذا طردتني؟»
نظر إلي.
قال: «لأنني اعتقدت أنك ستكرهينني يومًا، لكنك على الأقل ستبقين حية.»
امتلأت عيناي بالدموع.
قلت: «لقد كرهتك رغم ذلك.»
قال: «أعرف.»
قلت: «احتجت إلى اثني عشر عامًا لأفهم أنك كنت تحاول حمايتي.»
أمسك يدي.
قال: «أنا آسف.»
ولأول مرة منذ اثني عشر عامًا قلت له:
«أنا أسامحك.»
الفصل التاسع – الخيانة
بعد ثلاثة أيام تم استدعاء توماس ودانيال للتحقيق.
وجد المحققون أدلة إضافية.
كان دانيال قد أخذ المال بالفعل.
لكنه فعل ذلك تحت ضغط توماس.
كان توماس يبتزه لسنوات.
وعده بسداد ديونه إذا قام دانيال بتنفيذ تحويلات مالية معينة.
لكن توماس لم يتوقف عند ذلك.
لقد حاول تفريغ شركة والدي من أموالها من خلال شركات وهمية.
اكتشف والدي الأمر في النهاية.
وعندما بدأت أنا أيضًا بطرح الأسئلة، شعر بالخوف.
لهذا وضع خطة لإبعادي عن العائلة.
لكن توماس لم يتوقف أبدًا.
كان يريد الشركة.
وكان يريد تدمير جميع الأدلة.
في اليوم الرابع تم القبض على توماس.
أما دانيال فتعاون مع المحققين.
لأول مرة في حياتي لم أر أخي باعتباره الابن المدلل لوالدي.
رأيت رجلًا اتخذ قراراته بنفسه، وكان عليه الآن أن يتحمل نتائجها.
وقف أمامي.
قال: «لينا.»
لم أقل شيئًا.
قال: «أنا آسف.»
سألته: «لماذا لم تقل شيئًا؟»
خفض رأسه.
«لأنني كنت جبانًا.»
قلت: «سمحت لي أن أعيش اثني عشر عامًا وأنا أعتقد أن لا أحد في هذه العائلة يريدني.»
قال: «أعرف.»
قلت: «لن أنسى ذلك.»
قال: «ولا أطلب منك أن تنسي.»
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت: «ربما نستطيع أن نتحدث يومًا عن كل هذا.»
أومأ.
«ربما.»
الفصل العاشر – القرار الأخير
نجا والدي.
استغرق الأمر أشهرًا حتى تمكن من المشي مرة أخرى.
تمت إعادة تنظيم الشركة.
وخسر توماس نفوذه.
أما دانيال فكان عليه أن يواجه القضاء.
لكن التغيير الأكبر لم يحدث في الشركة.
لقد حدث داخل عائلتنا.
انتقلت أمي للعيش معي بعد خروج والدي من المستشفى.
وبدأنا نتحدث مع بعضنا ببطء.
ليس عن المال.
وليس فقط عن الماضي.
بل عن أنفسنا.
عن الأشياء التي فقدناها.
وعن الأشياء التي كان لا يزال بإمكاننا إنقاذها.
في إحدى الأمسيات كنت جالسة مع والدي على الشرفة.
كانت إيما تلعب في الحديقة.
نظر والدي إليها.
قال: «إنها تشبهك.»
ابتسمت.
«الجميع يقول ذلك.»
قال: «إنها شجاعة.»
نظرت إليه.
قلت: «لم أكن شجاعة دائمًا.»
هز رأسه.
«بل كنتِ كذلك. عندما طردتكِ، غادرتِ. وبنيتِ حياة جديدة بمفردك. وربيتِ ابنتك. وعندما ظهرت الحقيقة، امتلكتِ الشجاعة لمواجهتها بدلًا من إخفائها.»
صمتُّ.
ثم سألته:
«لو عاد بك الزمن، هل كنت ستفعل شيئًا مختلفًا؟»
ظل ينظر إلى الحديقة طويلًا.
ثم قال:
«كل شيء.»
أمسكت يده.
قلت: «إذًا دعنا على الأقل نبدأ من اليوم في فعل الأشياء بشكل مختلف.»
ضغط على يدي.
«من اليوم.»
الفصل الحادي عشر – بعد اثني عشر عامًا
يعتقد الكثير من الناس أن العائلة يجب أن تبقى متماسكة دائمًا.
أما أنا فلم أعد أؤمن بذلك.
العائلة ليست مجرد أشخاص يحملون اسم العائلة نفسه.
العائلة هي الأشخاص الذين تستطيع أن تقول لهم الحقيقة دون أن تخاف من أن يتخلوا عنك.
بعد اثني عشر عامًا من تلك الليلة، كنت أستيقظ أحيانًا عند الساعة 2:17 ليلًا.
كنت أتذكر اتصال أمي.
ممر المستشفى.
جهاز USB.
الرسالة.
والمرأة التي كنتها في ذلك الوقت.
امرأة اعتقدت أن حياتها قد تحطمت.
اليوم أعرف أن حياتي لم تتحطم.
لقد توقفت فقط عن السير بالطريقة التي كنت أتوقعها.
لاحقًا أسست مؤسسة صغيرة لمساعدة العائلات التي تتفكك بسبب المشكلات المالية والقانونية.
ساعدتني أمي في ذلك.
وكان والدي أكبر داعم لنا.
أما دانيال فقد جاء لزيارتي ذات يوم.
كان قد أنهى عقوبته وبدأ حياة جديدة.
لم نصبح شقيقين مقربين.
وربما لن نصل إلى ذلك أبدًا.
لكننا أصبحنا قادرين على الحديث مع بعضنا.
وكان ذلك كافيًا.
أحضر هدية لإيما.
فتحتها.
كان بيتًا خشبيًا صغيرًا.
سألته: «ما هذا؟»
ابتسم دانيال.
وقال: «بيت لا يتم فيه طرد أحد.»
نظرت إيما إلي.
واضطررت إلى الابتسام.
الفصل الثاني عشر – الرسالة التي لم أرسلها أبدًا
بعد سنوات طويلة وجدت رسالة والدي القديمة مرة أخرى.
قرأتها من جديد.
وفي نهايتها وجدت جملة لم أنتبه إليها في المرة الأولى.
«إذا استطعتِ أن تسامحيني يومًا، فلا تسامحيني لأنني أستحق ذلك. سامحيني حتى لا تحملي خطئي على كتفيك طوال حياتك.»
فهمت أخيرًا ما كان يقصده.
المغفرة لا تعني النسيان.
والمغفرة لا تعني أن ما حدث كان صحيحًا.
أحيانًا تعني المغفرة فقط أن ترفض حمل الألم معك إلى الأبد.
أخذت ورقة.
وكتبت:
«أبي،
لقد أخذت مني اثني عشر عامًا.
لكنك علمتني أيضًا أن البشر يمكن أن يخطئوا.
علمتني أن الخوف يمكن أن يدفع الإنسان إلى اتخاذ قرارات خاطئة.
وعلمتني أن العائلة يمكن أن تتحطم دون أن تكون قد ضاعت إلى الأبد.
كنت أتمنى لو أننا قلنا الحقيقة في ذلك الوقت.
كنت أتمنى لو أنك وثقت بي.
لكنني اليوم لم أعد غاضبة.
لقد بنيت حياتي بنفسي.
لدي إيما.
ولدي أشخاص يحبونني.
وتعلمت أن قيمتي لا تعتمد أبدًا على اعتراف الآخرين بي.
لذلك سأستمر في حياتي.
ليس لأنني نسيت.
بل لأنني قررت ألا أعيش وأنا أنظر إلى الوراء.
لينا.»
طويت الرسالة.
لم أضعها في ظرف.
ولم أرسلها إلى أحد.
وضعتها ببساطة في درج.
لأنني فهمت أخيرًا:
أحيانًا أهم رسالة ليست تلك التي ترسلها إلى شخص آخر.
أحيانًا تكون أهم رسالة هي الرسالة التي تكتبها لماضيك أنت.
النهاية
في صباح اليوم التالي خرجت مع إيما للمشي.
كانت الشمس قد بدأت تشرق.
أمسكت إيما بيدي.
«أمي؟»
«نعم؟»
«لماذا أنت سعيدة جدًا اليوم؟»
نظرت إليها.
ثم نظرت إلى السماء.
قلت: «لأنني فهمت بالأمس أخيرًا أنني لم أعد مضطرة إلى انتظار الماضي.»
سألتني: «ماذا كنت تنتظرين؟»
ابتسمت.
«لا شيء.»
واصلنا السير.
ولأول مرة منذ وقت طويل لم أفكر فيما أخذته عائلتي مني.
كنت أفكر فيما أعدته أنا إلى نفسي.
حياتي.
صوتي.
حريتي.
وفوق كل ذلك، مستقبلي.
أحيانًا لا تبدأ الحياة الجديدة بولادة طفل.
أحيانًا تبدأ بوداع.
وأحيانًا يجب على الإنسان أن يقضي اثني عشر عامًا معتقدًا أنه فقد كل شيء، حتى يكتشف الحقيقة:
أنه لم يفقد نفسه يومًا.
كان عليه فقط أن يتوقف عن انتظار الآخرين حتى يعيدوا إليه قيمته.
“`